ابن ميثم البحراني
109
شرح نهج البلاغة
كانت يوم القيامة مغمورة في محبّة الباطل مغلولة بسلاسل السيئات البدنيّة والملكات الرديئة المتمكَّنة من جواهرها فهي لتعلَّقها بمحبّة الدنيا حيث لا يتمكَّن من محبوبها بمنزلة ولد لا تعلَّق له ولا مسكة إلَّا بوالده ولا إلف له إلَّا هو ولا أنس إلَّا معه ، ثمّ حيل بينه وبينه مع شدّة تعلَّقه به وشوقه إليه وأخذ إلى أضيق الأسجان ، وبدّل بالعزّ الهوان فهو في أشدّ وله ويتم وأعظم حسرة وغمّ ، وأمّا أبناء الآخرة ففي حضانة أبيهم ونعيمه قد زال عنهم بؤس الغربة وشقاء اليتم وسوء الحضن . فمن الواجب إذن تعرّف أحوال الوالدين واتّباع أبرّهما وأدومهما شفقة وأعظمهما بركة وما هي إلَّا الآخرة فليكن ذو العقل من أبناء الآخرة وليكن برّا بوالده متوصّلا إليه بأقوى الأسباب وأمتنها . وقوله : وإنّ اليوم عمل . إلى آخر . كنّى باليوم عن مدّة الحياة وبعد عمّا بعد الموت ، وراعى المقابلة فقابل اليوم بالغد ، والعمل بلا عمل ، ولا حساب بالحساب . واليوم : اسم إنّ ، وعمل : قام مقام الخبر استعمالا للمضاف إليه مقام المضاف : أي واليوم يوم العمل ، ويحتمل أن يكون اسم إنّ ضمير الشأن ، واليوم عمل جملة من مبتدأ وخبر هي خبرها ، وكذلك قوله : وغدا حساب ولا عمل ، وصدق هذين الحكمين ظاهر وفايدتهما التنبيه على وقتي العمل وعدمه ليبادروا إلى العمل الَّذي به يكونون من أبناء الآخرة في وقت إمكانه قبل مجيء الغد الَّذي هو وقت الحساب دون العمل ، وباللَّه التوفيق . 42 - ومن كلام له عليه السّلام وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير ابن عبد اللَّه البجلي إلى معاوية إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وجَرِيرٌ عِنْدَهُمْ - إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ وصَرْفٌ لأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ - ولَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لَا يُقِيمُ بَعْدَهُ - إِلَّا مَخْدُوعاً